يبدو الوجود السلفى فى مصر وربما فى العالم العربى، مثل جبل الجليد المختفى تحت سطح مياه عميقة لاتظهر منه سوى قمته، والقمة المشار إليها هنا هى ذلك الوجود السلفى الإعلامى الذى تنامى فى السنوات الثلاث الأخيرة، عبر القنوات الفضائية السلفية، والذى كان قد سبقه تواجد ملحوظ عبر شرائط الكاسيت لعدد من دعاة السلفية الذين حققوا نجومية مليونية أهلتهم فيما بعد لأن يحتلوا مساحات أكبر من التأثير فى المواطنين عبر القنوات الدينية. قمة جبل الجليد هذه قد تتمثل أيضا فى ظواهر لاتخطئها عين، مثل انتشار النقاب فى محافظات مصر المختلفة لاسيما فى الدلتا والوجه البحرى، لكن كل هذا الوجود الكثيف سواء فى وسائل الإعلام، أو فى الشارع ليس سوى قمة جبل الجليد، والدعاة السلفيون الذين ذاع صيتهم فى الفضائيات حتى تخيل الكثيرون أنهم القادة الفعليون للسلفيين فى مصر لايعبرون سوى عن فصيل واحد من فصائل التيار السلفى فى مصر، وهو يضم تنوعات كثيرة يختلف بعضها مع بعض حول أشياء كثيرة، لعل أولها هو الموقف من ممارسة السياسة، ومن السلطة، ومن جماعة الإخوان المسلمين التى يكفرها بعضهم فى حين يراها البعض الآخر جماعة «بدعية» أو مبتدعة، فى حين يرى آخرون أنهم ليسوا من أهل السنة والجماعة. حركيون وعلميون على أنه من الصعب الإمساك بموقف فكرى واحد للسلفية، سواء تجاه السلطة، أو تجاه جماعة الإخوان، أو تجاه العمل بالسياسة بشكل عام، وعلى مستوى آخر ستجد أن هناك السلفية الجهادية التى تؤمن بوجوب الجهاد، ولكن هؤلاء لا وجود لهم فى مصر بشكل علنى، ويعتبر تنظيم القاعدة هو التجلى الأكبر للسلفية الجهادية، أما فى الكويت والبحرين وباكستان والهند فستجد سلفيى السياسة، حيث يخوض السلفيون المعترك الانتخابى وينافسون على أصوات الناخبين استنادا لقاعدة «ارتكاب المنكر من أجل تغيير منكر أكبر»!، والمعنى أن المرشحين السلفيين يرتكبون منكر المشاركة فى اللعبة الديمقراطية، والترشح فى الانتخابات من أجل تغيير «المنكر الأكبر» الذى هو واقع المجتمع كله وتطبيق الشريعة الإسلامية، وقد تفوق السلفيون الكويتيون خلال الـ15عاما الأخيرة على جماعة الإخوان المسلمين فى الكويت، وطاردوا مرشحيهم فى انتخابات الاتحادات الطلابية والهيئات الأهلية ومجلس الأمة حيث احتلوا فى الانتخابات الأخيرة 40% من مقاعد مجلس الأمة الكويتى، وكادوا أن يتقاسموا مقاعد المجلس مع الشيعة الكويتين، فى حين خرج الإخوان الكويتيون من السباق الانتخابى بخفى حنين تقريباً، ولكن الوضع حتى الآن يبدو مختلفا فى مصر حيث ينقسم التيار السلفى إلى ثلاث مدارس كلها بمثابة امتدادات لمدارس سلفية بالخارج، وكلها لها امتدادت فى الخارج بمعنى أنها تستقبل الاختلافات من الخارج ثم تعيد إنتاجها، والتأثير فى آخرين فى الخارج أيضا، ولعل التيارين الأقدم فى الحركة السلفية المصرية هما السلفية العلمية أو السلفية المستقلة، ويعبر عنها كيانات مثل جماعة أنصار السنة المحمدية، بالإضافة إلى أنها تتسع لتضم أشخاصا غير منظمين فى أى كيان موحد، وإن كان يجمع بينهم أنهم كانوا على صلة وثيقة بجمعية أنصار السنة المحمدية، وأنهم مثل كل السلفيين فى مصر تلاميذ مباشرين للمدرسة السلفية السعودية، ويضم تيار السلفية العلمية كل الدعاة السلفيين الذين تحولوا لدعاة جماهيرين فيما بعد، وأشهرهم الثلاثى محمد حسين يعقوب ومحمد حسان وأبو إسحاق الحوينى الذين تتشابه سيرهم الذاتية، حيث ولدوا جميعا فى مناطق ريفية بسيطة لأسر على علاقة بجماعة أنصار السنة، ثم انتقلوا فى بدايات حياتهم للعمل، والدراسة الدينية فى السعودية ثم عادوا ليعرفوا طريقهم للشهرة على نطاق محلى، ثم على نطاق عام مع تطور وسائط الاتصال الحديثة «الكاسيت ثم القنوات الفضائية»، والسلفيون العلميون أو المستقلون لايبدون اهتماما كبيرا بالسياسة، وهم يركزون على المسائل العقدية والفقهية وعلم الحديث، وعلى تغيير نمط حياة الآخرين من خلال الدعوة، وتعد جماعة أنصار السنة المحمدية هى الحاضن الرئيسى لتيار السلفية العلمية خاصة بعد مرحلة التوسع فى إنشاء معاهد الدعوة السلفية فى أقاليم مصر المختلفة، وإلى جانب السلفية العلمية، والتى يعود تاريخ وجودها فى مصر إلى ,1926 والتى اعتبرت أن معركتها الأولى هى ضد الطرق الصوفية المصرية ومعركتها الثانية ضد ما أسمته تيار التغريب الثقافى، سنجد أن مدرسة الإسكندرية السلفية والتى تأسست فى عام 1973 على يد اثنين من طلبة كلية الطب هما محمد إسماعيل المقدم «المؤسس»، وياسر برهامى «المنظر» هى الأعلى صوتا سواء على مستوى التنظيم، أو التنظير حيث تأسس تيار الإسكندرية، أو التيار السلفى الحركى فى خضم فوران الحركة الطلابية السياسية فى جامعات مصر المختلفة واستقطب طلابا مروا بتجارب سياسية مختلفة، وهو ما انعكس على اتخاذ الحركة السلفية التى أسسها هؤلاء طابعا تنظيميا امتد إلى القاهرة أولا ثم إلى محافظات مصر المختلفة، حيث اهتمت مدرسة الإسكندرية بالتقاطع مع القضايا الحياتية واليومية وإبداء الرأى فيها، وبحكم التكوين المهنى لأعضائها بدوا أقل اهتماما بالتفاصيل العلمية الدقيقة، ويعد تنظيم سلفية الإسكندرية هو التنظيم السلفى الوحيد المعلن فى مصر وهو تنظيم غير سرى غير علنى، ويعد ياسر برهامى هو منظر هذه المدرسة ومنظمها الحركى، فى حين يعتبر الشيخ محمد إسماعيل المقدم المرجع الروحى والدينى لها، وتتميز مدرسة الإسكندرية باتخاذ موقف معادٍ لجماعة الإخوان المسلمين، حيث لايعتبرهم منظرو هذه المدرسة من أهل السنة والجماعة، ولياسر برهامى كتابات حادة فى هجاء الإخوان المسلمين حيث يعتبر أن الإخوان المسلمين قدموا تنازلات شرعية كثيرة مقابل الاندماج فى اللعبة السياسية ولم ينالوا شيئا فى النهاية، وهو يعتبر أن الموافقة على نتائج الانتخابات ولو جاءت صناديق الانتخابات بما يخالف شرع الله بمثابة «تضحية بعقيدة التوحيد»، كذلك الموافقة على ما اعتبره «حرية الإلحاد والإباحية باسم الأدب»، وبعد أن يعدد برهامى التنازلات التى يرى أن الإخوان قد قدموها يقول: «ومع كل ذلك لم يجدوا لهم مكانا يذكر وسط المفارقات السياسية، بل ظل أعداؤهم يكيلون لهم الاتهامات والضربات فدفعوا الثمن غاليا مقدما ثم لم يستلموا السلعة ولا حتى جزءا منها»، وإلى جانب الخلاف الرئيسى حول الاعتراف بالديمقراطية وخوض الانتخابات توجد اختلافات عقيدية عديدة تحددها بعض الكتابات السلفية بـ17مأخذا على جماعة الإخوان، وقد تعرض لها عدد من دعاة مدرسة الإسكندرية ومنهم علاء بكر الذى ذكر تحفظات السلفية على الإخوان فى كتابه «تساؤلات حول السلفية»، وأحمد فريد فى مقدمة كتابه «السيرة النبوية»، بالإضافة إلى كتاب «منة الرحمن فى نصيحة الإخوان فى الأسماء والصفات»، وهو كتاب يتعرض لما يرى السلفية أنه أخطاء إخوانية فى فهم أسماء وصفات الله سبحانه وتعالى، والخلافات بين السلفية والإخوان يتركز معظمها على الرافد الصوفى فى كتابات حسن البنا منظر الجماعة، وكونه كان عضوا فى الطريقة الحصافية قبل تأسيسه لجماعة الإخوان، فضلا عن خلافات أخرى يخرج بها السلفيون الإخوان المسلمين من دائرة أهل السنة والجماعة، وتعبر عن نفسها فى منافسة دائمة بين كوادر الجماعة وكوادر السلفية سواء فى السيطرة على مساجد الأرياف أو فى استقطاب الطلاب ذوى الميول الإسلامية فى الجامعات، حيث يرفع السلفيون شعار «الإسلام هو الحق» فى مواجهة شعار الإخوان «الإسلام هو الحل»، وهم يحتجون على خوض الانتخابات رغبة فى الحصول على منصب بموقف الرسول- صلى الله عليه وسلم- حين رفض عرض قريش بالملك، مقابل أن يتخلى عن الدعوة، ويشبهون المجتمع الآن بالمجتمع القرشى وقتها بمعنى: ما فائدة أن يكون الحاكم مسلما- من وجهة نظرهم - والمجتمع ليس كذلك، وبشكل عام يتركز الموقف السلفى فيما يشبه احتقار العمل السياسى للإخوان وخوضهم للانتخابات المختلفة، حيث يتركز منهج السلفية الحركية فى تغيير المجتمع فى خطوتى «التصفية» و«التربية»، والمقصود بالتصفية هو تصفية عقائد الآخرين من كل ما يعتبرونه مخالفة شرعية وإقناعهم بالمنهج السلفى فى الحياة، ثم تأتى بعد ذلك مرحلة التربية التى تجعل من المواطن مواطنا سلفيا صالحا، وبعدها تأتى مرحلة التمكين الشامل دون انتخاب أو انقلاب، وهو منهج يتشابه فى بعض مراحله مع منهج الإخوان المسلمين الذين يضيفون للمنهج خطوات أخرى تضيف إلى التغيير من أسفل، التغيير من أعلى من خلال السيطرة على مؤسسات المجتمع والدولة المختلفة، ولكن السلفية ترى أن خوض الانتخابات، أو حتى الحصول على مقاعد وزارية هو بمثابة إصلاح جزئى لايؤدى سوى إلى إفساد الشريعة، وإن تغيير المجتمع والعقائد يأتى فى المرتبة الأولى ويعقب ذلك التغيير من أعلى أو ما تسميه الأدبيات السلفية بالإصلاح الشامل. سلفيون ومداخلة فى الوقت الذى تعتبر فيه مدرسة الإسكندرية السلفية تطويرا للسلفية العلمية، حيث لاتقود الخلافات بين الطرفين إلى معارك حادة، سنجد أن الموقف ليس كذلك مع الفريق السلفى الثالث فى مصر، والذى يطلق عليه سلفيو الإسكندرية «فريق المداخلة»، وقد سموا بهذا الاسم نسبة إلى ربيع المدخلى»، وهو فقيه سعودى من أصل يمنى، وإن كان يقيم فى السعودية ويعمل أستاذا للحديث وهم يسمونهم أيضا بسلفية الولاة فى إشارة إلى عقيدتهم فى تأييد ولى الأمر الذى هو أمير المؤمنين وتجب طاعته درءا للفتنة، ورغم أن هذه هى عقيدة السلفية بشكل عام إلا أن «المداخلة» تطرفوا فى تأييد ولى الأمر، وتكفير من يعارضه وقد ظهر الخلاف فى السعودية أولا بعد حرب الخليج الثانية، وارتفاع بعض الأصوات السلفية بالمعارضة وتنامى السلفية الجهادية التى عبرت عن نفسها فى تنظيم القاعدة فيما بعد، حيث كفر المدخلى الذين يخالفون الحاكم ووجد من يعارضه من سلفية السعودية وامتد الخلاف لمصر حيث لكل من الفريقين أتباع من السلفيين المصريين، الذين يعدون امتدادا صريحا وواضحا للسلفية السعودية، سواء على مستوى الأفكار أو الارتباطات وحتى على مستوى الخلافات، وحيث يتداول سلفيو الإسكندرية كتاب «النصيحة فى الرد على الشيخ ربيع المدخلى» ومن أهم رموز هذا التيار «المدخلى» الداعية السلفى سعيد رسلان، وهو ذو تأثير كبير فى مدينة أشمون بالمنوفية، وأسامة عبد العظيم وهو أستاذ بالأزهر، ولكل من المدرستين امتدادات فى ليبيا والجزائر. جهاديون وسلفيون رغم الانتشار الظاهر للتيار السلفى إلا أنه ذو طابع انشطارى، حيث تسود الخلافات بين السلفيين على صغائر الأمور قبل كبائرها وهو ما يمكن أن يؤدى لكارثة، فهناك سلفيون يكفرون الحكام ومن يؤيدونهم، وهناك سلفيون آخرون يؤلهون الحكام ومن يؤيدونهم، وهناك سلفيون يجرمون العمل بالسياسة وخوض الانتخابات، فى حين أن هناك سلفيين آخرين - فى الكويت مثلا- احترفوا خوض الانتخابات، والإخوان المسلمون يعتبرون أنهم جماعة المسلمين وحماة الشرع، والسلفيون المختلفون فيما بينهم يعتبرون الإخوان خارجين عن الشرع وعن عقيدة أهل السنة والجماعة، والمداخلة يحرمون الخروج على الحاكم، والسلفية الجهادية تدعو للخروج على الحاكم والأهم فى حالة السلفية أنهم يعبرون عما يخفيه غيرهم ويرفضون الانخراط فى العملية السياسية برمتها بل ويجرمون ويحرمون الديمقراطية والانتخابات، بحيث تصبح الدعوة لدمج هؤلاء فى العملية السياسية ضربا من ضروب العبث واللاجدوى، وفى نفس الوقت ومع حالة الفراغ السياسى والثقافى وغياب المشروع الحضارى وتدنى معدلات التنمية فى مصر ودول عربية أخرى، تجد الأفكار السلفية المخاصمة للحياة الحديثة بالكامل رواجا وقبولا وتنتشر بين قطاعات وشرائح اجتماعية لم تكن تنتشر بينها من قبل، وبالإضافة إلى هذا فإن السلفيين لايعملون بالسياسة كى توكل هزيمتهم للمعترك الانتخابى وصناديق التصويت، ولا يسعون- ظاهريا على الأقل-للسيطرة على السلطة السياسية، ولكنهم يتوغلون بين قطاعات متعددة فى المجتمع لترتدى المزيد من النساء النقاب ويرتدى الرجال الجلابيب البيضاء ويعفون اللحى دون تهذيب، لأن عدم إطلاق اللحية كفر صريح ولا أقل من ذلك، والمسائل تبدو عويصة وعصية على الفهم، لكن الأكيد أن الانتشار السلفى ليس فى مصر وحدها، ولكن فى دول عربية عديدة دليل على تآكل الدولة الحديثة فى الوطن العربى كله، وهو ما يستدعى جهدا سياسيا وثقافيا فى المقام الأول، وإقناعا للناس بفائدة أن يبقوا على خريطة العالم فى القرن الواحد والعشرين لا فى القرن السادس، وبأن فى ذلك فائدة لهم ومنافع تعود عليهم مثل العلم والحرية والرخاء الاقتصادى، وإلا فإن علينا أن نستعد للعودة لركوب الناقة خلال عدة عقود، والحقيقة أنه فى كل مجتمع وفى أى دين يوجد نسبة من الذين يتطرفون فى أى اتجاه سواء التدين أو عدم التدين أو اليمين أو اليسار، لكن هذه النسبة فى أى مجتمع تقدر دائما بـ10% فقط، وإذا زادت على ذلك يعتبر الأمر بمثابة نذير خطر، والظواهر المنظورة تقول إنها تزيد على ذلك بكثير، وهو ما يستدعى وقفة من الجميع.
No comments:
Post a Comment