Thursday, February 21, 2008

سيفونية حب في عشق مصر




مصر ذلك البلد الساحر الذي ربما لاتعرف قيمته إلا وانت في الغربة ، مصر ذلك الوطن الذي يعيش فينا ونعيش فيه مهما بعدنا عنه بأجسادنا إلا أن ارواحنا تظل محلقة في فضاء عشقه وسماء ذكرياته مهما تباعدت بنا الدروب وتفرقت بنا الليالي . مصر التي ستظل باقية رغم كيد الكائدين وحقد الحاقدين ، ستظل باقية بتاريخها، بأحبائها ، بعلمائها ،و بعقول أبناءها المبدعين الشرفاء.. مصر ذلك الشجن الذي يجيش في الصدر ونحمله في أعماق الفؤاد في فيافي الغربة الموحشة ، مصر تلك المفردات الدقيقة المتناثرة داخل خبايا القلب والتي تنتظم في براعةورشاقة بخيط الحب والعشق الوردي لتصوغ منها عقد فريدا و مقطوعة عذبة بموسيقى الكلمة تذكرك بعزف فلاح شاب بنايه البسيط على شاطئ النيل (ساعة العصاري) في إحدى قرى الصعيد، ، وتجعلك – رغما عنك - تتجول في دروب وحارات هذا الوطن الساحر لتستنشق نسمات الصباح في حي شعبي في صبيحة يوم شتوي بينما الناس البسطاء "عمال وصنايعية" يهمون للخروج للعمل وهم يتحلقون حول عربة فول (عم أحمد...) قبل أن يفتحوا دكاكينهم البسيطة ،حتى لتكاد تسمع عبارات إستقبالهم لليوم الوليد (صباح الورد ياحاج حسين – ياكريم – اصطبحنا واصطبح الملك لله- يافتاح ياعليم يارزاق ياكريم – إفرجها يارب ) أو وهم يجلسون على قهوة السعادة في باب الشعرية أو في القلعة يشربون (الشاي بحليب ) على أنغام الشيشة ورائحة ساندوتش (الطعمية السخنة من عند الحاج فتحي ) بينما في خلفية المشهد نسمع بوضوح أم كلثوم وهي تشدو من مذياع القهوة العتيق بأغنية (ياصباح الخير ياللي معانا الكروان غنا وصحانا ) بينما الاطفال الصغار بتقافزون ويضحكون في طريقهم للمدرسة وتظهر في زاوية المشهد بنت خمرية البشرة مستديرة الوجه في عمر الزهور الندية وهي ترتدي (المريلة الكحلي) وعينيها العسليتيتن الحالمتين تلمعان ببريق الحياة ونضارتها بينما تحتضن (شنطة المدرسة) بذراعيها كمن يمسك بأحلامه حرصا عليها وحبا فيها.....،مصر التي تحلّق بنا بجناحي عشقها فوق الغيطان الخضراء البكر لنسمع همس العيدان الخضر للأرض الحنونة بين أنامل (عم عويس) ذلك الفلاح العجوز العاشق لأرضه السمراء تماما كسمرة وجهه الملئ بتجاعيد الأيام الحبلى بالأحداث وهو يبثها خبرته وحبه الضارب في أعماق التاريخ فيخرج نبت هذه الأرض وقد نضج على نار شوق الانتظار وتلون بلون الحنين وتشرب طعم اللهفة ، وعند الظهيرة –وبعد أن يكون عم عويس قد فرغ من صلاة الظهر على أرضه الحبيبة- تبدو من بعيد إبنته الصغيرة (بهية) وهي تتهادى وسط الغيطان السمر بعودها الغض الطري لتحضر لأبيها وجبة غداؤه البسيط من "الجبن الأبيض" "والمش الأصفر" مع "فحل بصل" ذهبي اللون ملفوفا في "المنديل المحلاوي" عند هذه اللحظة تبدو (بهية) ببشرتها النضرة وبقوامها الشامخ وبضفائرها السوداء الفاحمةالطويلة كمصر الفتية .. مصر التي تحلم بفارسها المغوار ليأتي ويخلصها من قسوة الأيام وغدر الزمان وليعبر بعروسه إلى شط الأمان و يكتمل المشهد بصوت "محمد رشدي "يأتي من المذياع المكسور وهو يشدو في الفضاء الرحب بأغنية " عدوية ..".... نعم هذه هي مصر عبقرية المكان والزمان والشخوص... نعم هذه هي معشوقتي ....مصر.

No comments: